في لحظات التوتر الكبرى التى يعيشها العالم و الشرق الأوسط، خرج السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليدعو في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» السعودية والإمارات إلى الانضمام إلى ما وصفه بالحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران و لم يكتف جراهام بالدعوة إلى مشاركة عسكرية عربية، بل ذهب أبعد من ذلك حين تحدث صراحة عن إسقاط النظام الإيراني وإقامة نظام حليف لواشنطن، وربط ذلك بمشروع أوسع يتضمن سلامًا بين السعودية وإسرائيل وشراكة اقتصادية جديدة في المنطقة.
هذه التصريحات ليست مجرد رأي سياسي بل تعكس رؤية استراتيجية لدى تيار داخل السياسة الأميركية يرى الشرق الأوسط ساحة يمكن إعادة تشكيلها عبر الحرب المباشرة أو الحرب بالوكالة لكن قراءة أعمق لما يقوله غراهام تكشف أن الأمر لا يتعلق فقط بمواجهة إيران، بل بمحاولة جرّ المنطقة إلى معركة طويلة قد تستنزف الجميع.
أولاً: دعوة العرب إلى الحرب… أم دفعهم إلى فخّ الاستنزاف؟
حين يدعو سيناتور أميركي دول الخليج إلى الانخراط العسكري المباشر في مواجهة إيران، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يريد ذلك؟ بل: من سيدفع الثمن الحقيقي لهذه الحرب؟
و التاريخ القريب هنا يقدّم الإجابة بوضوح فالحرب العراقية–الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي استمرت ثماني سنوات كاملة، وخلّفت ملايين الضحايا واستنزفت اقتصاد دولتين كبيرتين في المنطقة ، لكن النتيجة النهائية لم تكن انتصار طرف على الآخر بقدر ما كانت إنهاكًا شاملًا للطرفين.
المنطق الذي يطرحه غراهام يبدو قريبًا من هذا النموذج:
إشراك دول الخليج في مواجهة مفتوحة مع إيران تحت شعار حماية الممرات البحرية وتأمين مضيق هرمز ومنع ارتفاع أسعار النفط، لكن الواقع الاستراتيجي يقول إن أي حرب مباشرة بين الخليج وإيران لن تكون قصيرة، إنها حرب ستدور في قلب المنطقة، بالقرب من أهم منابع الطاقة في العالم، وفي فضاء جغرافي حساس اقتصاديًا وأمنيًا.
في مثل هذا السيناريو، قد تجد الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما في موقع المساند من بعيد، بينما تتحول دول المنطقة إلى ساحة الحرب الرئيسية ومع مرور الوقت، تتحول المعركة إلى صراع استنزاف طويل:
• تُستنزف القدرات العسكرية لدول الخليج.
• تُستنزف أيضًا قدرات إيران.
• ويظل الشرق الأوسط كله في حالة توتر دائم لسنوات.
بمعنى آخر، ما يُقدَّم باعتباره “تحالفًا عسكريًا” قد يتحول في الواقع إلى فخ استراتيجي يجعل المنطقة كلها تدفع تكلفة صراع لا يملك أي طرف فيه القدرة على تحقيق نصر حاسم.
ثانياً: ترويج رواية أن إيران تعيق التطبيع
الجانب الآخر في خطاب غراهام لا يقل أهمية، فهو يربط بين الحرب على إيران وبين إمكانية تحقيق سلام واسع بين إسرائيل والسعودية، بل يذهب إلى حد القول إن نتيجة الحرب قد تكون شراكة تجارية بين الطرفين و هنا محاولة واضحة لتقديم رواية سياسية زائفة تقول إن إيران هي العقبة الأساسية أمام التطبيع العربي مع إسرائيل لكن هذه الرواية تتجاهل واقعًا أكثر تعقيدًا، فالحقيقة أن العقبة الكبرى أمام أي سلام حقيقي في المنطقة لم تكن يومًا مجرد النفوذ الإيراني، بل السياسات الإسرائيلية نفسها:
• استمرار الاحتلال.
• توسيع الاستيطان.
• تهديد الدول المجاورة عسكريًا.
• وغياب حل عادل للقضية الفلسطينية.
هذه السياسات هي التي تجعل أي مشروع سلام شامل في المنطقة هشًا أو غير قابل للاستمرار لذلك فإن تصوير إيران باعتبارها السبب الوحيد لتعثر التطبيع ليس تحليلًا سياسيًا بقدر ما هو محاولة لإعادة تعريف المشكلة، فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى فقط على تحالفات عسكرية أو مصالح اقتصادية؛ بل يحتاج إلى تسوية عادلة للنزاعات التاريخية التي لا تزال مفتوحة منذ عقود.
ثالثاً: لغة الضغط والتهديد
تصريحات غراهام لم تقتصر على الدعوة إلى الحرب، بل حملت أيضًا نبرة ضغط واضحة على المملكة العربية السعودية ففي تغريدة له تساءل بشكل مباشر: لماذا يجب على الولايات المتحدة إبرام اتفاقية دفاعية مع المملكة إذا لم تكن مستعدة لاستخدام جيشها في مواجهة إيران؟
هذه اللغة تكشف عن تصور سياسي يرى أن التحالفات يجب أن تتحول إلى التزامات عسكرية تلقائية، لكن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أساسية في العلاقات الدولية: لكل دولة حساباتها الخاصة ومصالحها الأمنية التي قد تختلف عن حسابات القوى الكبرى.
الدول الخليجية، مثلها مثل أي دولة أخرى، تدرك أن الحرب مع إيران لن تكون مجرد عملية عسكرية محدودة، بل صراعًا إقليميًا واسعًا قد يغيّر شكل المنطقة لعقود ومن الطبيعي أن تتعامل هذه الدول مع مثل هذا السيناريو بحذر شديد
رابعاً: الموقف المصري… سياسة إطفاء الحرائق لا إشعالها
في خضم هذه الدعوات إلى التصعيد، يظهر موقف مصر مختلفًا إلى حد كبير، القاهرة تؤكد باستمرار أن استقرار المنطقة هو المصلحة الأولى للجميع، وأن أي حرب واسعة في الشرق الأوسط لن تقتصر خسائرها على طرف واحد.
السياسة المصرية في هذا الملف تقوم على مبدأين واضحين:
الأول هو دعم أمن الدول العربية الشقيقة
والثاني هو التأكيد على أن الحلول العسكرية لا يمكن أن تكون الطريق الوحيد لإدارة الأزمات في المنطقة.
من هذا المنطلق تدعو القاهرة دائمًا إلى وقف التصعيد وفتح مسارات سياسية للحوار، لأن تجربة الشرق الأوسط مع الحروب أثبتت أن نتائجها غالبًا ما تكون فوضى أطول من عمر المعركة نفسها.
الشرق الأوسط ليس ساحة لتجارب الحروب
حين يصف سيناتور أميركي الصراع المحتمل بأنه “حرب دينية ستغير ملامح الشرق الأوسط”، فإن هذا الوصف يكشف حجم الخطورة في التفكير الذي يقود بعض دوائر القرار في واشنطن، الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب أخرى تعيد رسم خرائطه بالقوة لقد شهدت المنطقة خلال العقود الماضية حروبًا كافية لتعرف أن النار حين تشتعل في هذه الجغرافيا لا تبقى داخل حدود واحدة.
لذلك فإن الدعوة إلى إشراك العرب في مواجهة عسكرية واسعة مع إيران لا تبدو مجرد اقتراح سياسي، بل مشروع قد يفتح بابًا لصراع طويل يستهلك موارد المنطقة ويؤجل فرص التنمية والاستقرار لسنوات طويلة.
في النهاية، السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس: من سينتصر في الحرب؟
بل: هل يحتاج الشرق الأوسط أصلًا إلى حرب جديدة؟
والإجابة التي تبدو أكثر عقلانية هي أن المنطقة تحتاج إلى شيء مختلف تمامًا: توازن، وحوار، وتسويات سياسية، لا معارك مفتوحة لأن الشرق الأوسط الذي خرج بالكاد من سلسلة طويلة من الصراعات لا يستطيع تحمل فصل جديد من حرب قد يكتبها الآخرون بينما يدفع ثمنها شعوب المنطقة وحدهم.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







